الحلم ج1….. نص ل”زيدون الجندي”

الكاتب زياد “زيدون” الجندي

لم أكن قد رأيت البحر قط، عندما بدأ الحلم بالعمل كبحار يراودني..

ربما كان للتلفاز وأفلام الكرتون، دوراً في ولادة ذلك الحلم الرطب، وسط البيداء حيث نشأت، أو لعل حديثاً عابراً عن البواخر والإبحار وحياة البحارة طرق مسامعي صدفة؛ فأوقد هذا الحلم في رأسي الصغير. 

تملّكني ذلك الحلم تماماً، حتى صرت أضيق ذرعاً ببطء نموي الذي يأبى أن يسبق عقارب الزمن كما كنت أتمنى، كنت أتحرق للانعتاق من الطفولة إلى الرجولة سريعاً، لكي أحقق حلمي الذي لم يترك خلية فارغة في خيالي، لدرجة أنني توهّمت حينها أنني أجيد السباحة أكثر من سباح أولمبي، وقد أوشك هذا الوهم ان ينهي حياتي باكراً جداً عندما قررت مواجهة السيل الجارف الذي عهدناه موسمياً في مناطقنا، وما زاد الطين بلة يومها؛ أنني قررت خوض تلك المغامرة وحدي، بعيداً عن عيون قد تكشف زيف ادّعائي المهارة في السباحة.

يومها اكتشفت متأخراً صعوبة السباحة بحد ذاتها؛ فضلاً عن صعوبتها في سيل يملأه الطمي، ولا علاقة لحذاقتي أو فطنتي في نجاتي مما ورطت نفسي فيه يومها، حتى أنني لا أتذكر كيف وجدت نفسي بعد لحظات في مكان ضحلة مياهه، فوقفت و غادرت الماء.

  انقضى الأمر بنزلة بردية لطيفة على شدّتها،  مقارنة مع ما كان يُمكن أن يصيبني، لولا ألطاف الأرض و السماء، السماء التي سترت دموعها، والذي انسكب فجأة  كان دموع خوفي، كما سترت بللي الذي كان ليسبب لي العقاب؛ فضلاً عن الحرج؛ فيما لو أنه كُشف أمر حماقتي.  

كان يمكن لتلك الحادثة أن تقضي على حلمي، أو تنقذني منه، لولا حديث عابر سمعته من الكبار، يدور حول صعوبة السباحة حد الاستحالة في مياه السيل الجارفة، حتى بالنسبة لأمهر السبّاحين. 

أذكر يومها أنني كدت أقفز إلى ذلك المتحدث، وأوسعه قبلاً عندما قال :

” السباحة في البحر سهلة جداً، يكفي أن تسترخي لتحملك المياه “.

لم يطل الأمر كثيراً، حتى وجدت نفسي صيف ذلك العام في مواجهة الماء، في مسبح ضمن مزرعة يملكها أحد معارف العائلة، برفقة فتيان و فتيات في مثل سني، وعندما دعيت للسباحة، لبيت الدعوة على الفور، فخلعت ملابسي خلال لحظة، وأجبت عن السؤال فيما إذا كنت أجيد السباحة وأنا في الهواء بين حافة المسبح والماء، أي قبل لحظات قليلة من انكشاف زيف ادّعائي، وتدخُل الحاضرون لإنقاذي من الغرق !

يومها، تمنيت لو أنني لم أنجُ من مواجهتي مع السيل؛ كي أنجُ من سيل السخرية الذي تعرضت له.

لم تزدني تلك الحادثة إلا إصراراً على تحقيق حلمي يوماً في العمل كبحار. 

كانت الأيام تمر، وأنا أزداد حنقاً على اليابسة، وأزداد اختناقاً من الجدران والأشجار و حتى من الهواء، كنت أشتم وأسب؛ إذا دست حصاة فآلمتني قليلاً، وأقول: ليس على ظهور السفن حصى و لا حجارة، وتثور ثائرتي إذا اغبرّ الجو وشعرت بضيق التنفس؛ فأشتم، وأسب وأقول:

ليس في عرض البحر ولا على شاطئه مكاناً للغبار، وإذا اشتد الحر أو البرد، أغضب غضباً شديداً، وأقول :

البحر البحر، هو الذي يكفّ الحر ويكف البرد، وهو المكان الذي أريد أن أكون فيه.

أسرتي التي لم تعد تطيق هذياني هذا كلّه، بدؤوا يضيقون علي الخناق، فإن تأخّرت في أداء مهمة ما؛ عزوا ذلك لغرقي في حلمي السخيف، وإذا تدنت علاماتي في المدرسة، عزوا ذلك إلى غرقي في حلمي السخيف، وحتى إذا جرحت اصبعي خطأً، لاموني أشد اللوم؛ وطلبوا مني أن أستفيق من حلمي السخيف، فلا أزداد إلا عناداً و إصراراً على تحقيق حلمي، حتى بلغ بي الأمر حد تقديس البحر، واعتباره إلهاً جديراً بالعبادة أصلي له بسكب دلو ماء على رأسي كل صباح، يترافق مع دعائي و ابتهالاتي له أن يهدي أهلي برحمته إليه، أو ينتقم منهم شر انتقام، ثم ليتطور الأمر لعدائية شديدة  لكل من يبدي استخفافاً به.

صارت حياتي في البيت لا تُطاق، شجار دائم ،ولوم، وتقريع لا يتوقف..  والأسوأ من ذلك كلّه، إهانات لإلهي دون أدنى مراعاة لمشاعري!

مما دفعني لمغادرة البيت ذات ليلة، بعد أن اغتنمت بضع قطع من الحلي الذهبية، ومبلغاً لا بأس به مما يمتلكه أعداء الدين، أعداء الحق المتخلفون؛ هواة التراب والغبار الخانق.

على الرغم من قسوة الظروف التي واجهتني  بعد هروبي من بيت العائلة، إلّا أنني استطعت تجاوز كل المعوقات التي تواجه غراً مثلي، في مواجهته الأولى مع الحياة.

شيء واحد لم يغب عن ذهني لحظة واحدة؛ هو حلمي الأزلي.

كنت أتعبّد البحر سراً بين الكفرة، وأظهر لمن أتعامل معهم كل ودٍّ رغم الحقد الدفين في صدري عليهم، ولا أكف عن السؤال عن الطريقة التي ستضعني بين يدي إلهي بحاراً، أغرف من خيراته و أتنعم برحمته.  أسأل كل من أعرف أو ألتقيه حتى وإن كنت لا أعرفه؛ في العمل؛ في حافلة النقل؛ في الحدائق أو الشوارع.. 

استمر الحال على ما هو عليه لأشهر، حين سألت أحدهم ما إذا كان يعرف  طريقة أتمكن من خلالها العمل كبحار، وكم كان فرحي غامراً، عندما أبلغني أنه بحار سابق، و أنه سيساعدني على تحقيق حلمي، كانت صدمة فرح بل صاعقة من الفرح.  

ما زادني ثقة بذلك الشاب الثلاثيني هو حديثه الطيب عن البحر، والأهم؛ عن آلهة البحر فاستسلمت لكل ما يقول، و صدقته على الفور، و كدت أسر له أنني من عبدة البحر، لولا أنه استأذنني لأداء الصلاة قبل أن نكمل حديثنا، فأصبت بخيبة أمل، لكنها لم تكن كافية لتزعزع ثقتي به.

بعد أدائه لصلاته، طلب مني ذلك الشاب أن نلتقي في مقهى لنتحدث بهدوء، فقبلت على الفور، ودعوته إلى مقهى قريب، ولم نخض كثيراً في ما اجتمعنا لأجله، قبل أن يعتذر لأمر طارئ كما قال، ويغادر مستعجلاً بعد أن عقدنا موعداً آخر في اليوم التالي، لتناول الغداء في المطعم، ومتابعة الحديث الذي بدأناه.

كان لقاؤنا في المطعم ظهر اليوم التالي مملاً، فبينما كنت أتحرق للدخول في صلب الموضوع، كان “منقذي ” ميالاً للحديث بالعموم، و بالحياة الشخصية لكل منّا، ويبدي تبرماً من الجلوس في مكان عام، فهو يكره الأماكن العامة كما قال،

ثم اقترح علي الذهاب إلى بيته لمتابعة الجلسة، فوافقت دون تردّد، فذهبنا إلى بيته حيث ظهرت نواياه الخبيثة سريعاً، عندما دعاني إلى سريره مفصحاً عن تفضيله العلاقة بين ذكرين، على العلاقة بين ذكر و أنثى.  

دفعته بعنف، وغادرت مسرعاً، رغم محاولاته منعي بالإغراء والترهيب من المغادرة. 

ما إن بلغت سكني، حتى سكبت دلو ماء على رأسي مترافقاً مع ابتهالاتي لإلهي أن ينتقم منه، ومن كل الكفرة أمثاله، فخففت صلاتي عني هول الصدمة.

بدأ حلمي يذوي مع مرور الأيام، لكن إيماني بالبحر إلهاً، كان يزداد رسوخاً مع كل ليلة أمضيها بإيجاد الأدلة على ألوهية البحر، وبالتزامن مع اشتداد حقدي على كل من لا يؤمن به، لدرجة أن الدعاء له بالغضب وابتلاع كل اليابسة بمن عليها صار جزءاً من صلواتي اليومية.

*الأعمال الفنية، للفنان الياباني ” كاتسوشيكا هوكوساي (‬1760 ــ ‬1849) “.

Leave A Comment

You May Also Like