الحلم ج2…. نص ل”زيدون الجندي”

عبوديتي للبحر التي كانت تترسخ بمرور كل دقيقة من حياتي، أغمضت عيني عن البحر نفسه، صحيح أنني لم أترك فرصة تمر دون سؤال من خبروه  عنه، و لم أترك حتى قصاصة ورقية زينتها حروفه الثلاثة، شعراً، أو ذكراً عابراً إلا قرأتها، ثم قبّلتها وضممتها إلى صدري بخشوع، لكن أمراً واحداً لم أفكر في القيام به على مدار عبوديتي التي كانت قد أتمت عامها الخامس؛ لم أفكر أبداً في زيارة البحر والنظر إليه عن قرب، شأني شأن كل مؤمن بإله، يتهيّب  الاقتراب منه، خشية كسر الهالة المقدّسة التي تحيق بإلهه.

كنتُ لأتخلى عن حلمي القديم في العمل كبحار، لولا ذلك الإعلان الذي قرأته على ورقة ملصقة على عامود كهرباء، قرب البسطة  التي وقفت لأبتاع منها علبة سجائر.

كانت عيناي ترفضان تصديق ما قرأته، فكررت قراءته عدة مرات: 

(مطلوب للعمل على سفينة سياحية، عمال من كافة الاختصاصات: طباخون، ملاحون، عمال نظافة .. الخ )

وفي كل مرة أعيد قراءة الإعلان، يتقد الحلم القديم في رأسي، حتى بلغ لهيبه عنان السماء.

سألت البائع العجوز الذي كان ينتظر بصبر أن أدفع له ثمن السجائر:

ما هذا ياعم؟ 

فأجابني وهو يهز يده الممدودة نحوي، منبهاً لأنني لم أدفع له بعد: كما ترى..

مددت يدي المرتجفة إلى جيبي، وأخرجت النقود ودفعتها له، وأنا أكرر سؤالي بصوت مرتجف: هل هذا يعني أنني أستطيع التقدم لهذه الوظيفة؟!

فقال وقد انتبه لتوه لما أنا عليه من الصدمة:

رويدك رويدك ..

انظر إلى ذلك الرجل الذي يحمل حقيبة دوبلوماسية (سمسونايت )، لعله طبيب أو محام يبدو عليه يسر الحال، وانظر إلى ذلك العامل البائس الذي يقابل الشمس طيلة النهار بانتظار من يشغّله لقاء قوت يومه، وانظر إلي وإلى نفسك و.. فقاطعته متسائلاً عن قصده، فقال:

كلنا نحلم بالهروب مثلك. فقلت بشيء من الحدة والاحتجاج:

هذا ليس هروباً، أنا أعشق البحر، وأعيش فقط لأحظى بفرصة العمل كبحّار وليس لأي سبب آخر.

فابتسم قائلاً: الوطن نفسه يتمنى أن يترك جذوره هنا، و يسافر تحت أي تسمية كانت .. إبحاراً؛ حباً بالسفر؛ تغيير جو،  أو تحت أي عنوان أو شعار آخر.

على أي حال، ما أعنيه هو لو كانت أن هذه الحاجة لموظفين أو بحارة  حقيقية؛  لما احتاج المعلن لتوزيع لصاقات في الشوارع، كان يكفي أن يخبر محيطه بالأمر، ليجتمع لديه فائض من طالبي الوظائف، يكفي لتشغيل سفن العالم بأسره.

لم يعجبني كلام ذلك العجوز الخرف، فغادرته حانقاً أبحث عن هاتف للعموم لأتصل بالرقم الذي ذُيّل الإعلان به. 

صوت أنثوي رقيق يجيب على اتصالي، باحترافية سكرتارية بالتعريف بالمكتب وعمله، منحني شيئًا من الثقة فيما أنا مقدم عليه، ترحيب وتقدير، ومخاطبة باحترام منحني شعور بالنشوة، ثم شرح عن متطلبات التقدم إلى لوظيفة من جواز سفر وأوراق أخرى، ومبلغ بسيط كرسوم، مع مبلغ آخر كتكاليف للفحوصات الطبية..  ثم موعد للمقابلة بعد أسبوع، مما عزّز لدي الثقة بجدية الأمر.

بالكاد قويت على الإمساك بسماعة الهاتف، إلى حين انتهاء المكالمة الهاتفية، أغلقت الخط، وانطلقت لتأمين ما طُلب مني، وأنا أشتم العجوز المتشائم الذي أراد إحباطي لسبب مجهول.  

أثناء انشغالي بمراجعة الدوائر الحكومية، لاستصدار الوثائق التي أحتاجها، لم أعبأ بتهديد رب عملي  بطردي بسبب تغيبي عن العمل، بل كنت أستهزئ به سراً، وأقسم  أنني  سأكسر الصحون التي كنت أغسلها على مدار السنوات الماضية في مطعمه القذر على صلعته البلهاء، إذا ما استمر بالتضييق علي، والإلحاح في معرفة سبب تغيبي المتكرر عن العمل. 

في ذلك الأسبوع الفاصل بين واقعي المرّ وحلمي الجميل، استيقظ في داخلي كل كرهي للإسفلت، والإسمنت، وحتى البشر الذين يعيشون على اليابسة، وأزداد كل لحظة  اختناقاً من رائحة السموم التي تنفثها عوادم السيارات، وحتى برائحة العطور والياسمين في مدينة الياسمين، وأكاد أذوب شوقاً لرائحة البحر، رغم أنني لم أختبرها من قبل.

* *الأعمال الفنية، للفنان الياباني ” كاتسوشيكا هوكوساي (‬1760 ــ ‬1849) “.

Leave A Comment

You May Also Like