نظرية الجبل الجليدي من الأدب إلى الحقل النفسي

يُقارن الكاتب الأمريكي “ آرنست همنغواي” طريقته بالكتابة ب“جبل الجليد”، فما يظهر من الجبل يُخفي تحته كثير من العناصر الأكثر أهمية، إذ كان يُركز على إظهار العناصر السطحية دون مناقشة الموضوعات الأساسية بشكل صريح، حيث كان يؤمن بأن المعني الأعمق للقصة لا ينبغي أن يكون واضحًا على السطح، وإنّما يجب أن يُضاء ضمنيًا من خلالها، وبهذا الصدد يقول: (يُمكنك حذف أى شئ… وأن هذا الجزء المحذوف سوف يعزز القصة).

حسب كاتب سيرة هيمنجواي “كارلوس بيكر” فإن هيمنجواي – ككاتب قصص قصيرة – قد تعلم ” كيف يستخلص الأكثر من الأقل، وكيف يقلّم اللغة ويتجنب فقدان الحركة، وكيف يضاعف الكثافة، وكيف لا يقول إلا الحقيقة بطريقة تمكنه من قول أكثر من الحقيقة”، كما يوضح بيكر أنه عند الكتابة وفقًا لنظرية الجبل الجليدي تطفو الحقائق الثابتة فوق الماء، بينما تعمل البنية الداعمة مكملة بالترميز بعيدًا عن الأنظار.

وفقاَ لنظرية” الجبل الجليدي” أيضاً، يُمكن العمل في حقل الإرشاد والعلاج النفسي، فإذا كان الإرشاد والعلاج قائم بشكل أساسي على العلاقة بين المعالج والمتعالج، ومادة المعالج الأساسية هي ما يبوح به المتعالج، فإنه من خلال هذا البوح، وبعد أن يجمع المعالج كل العناصر التي أدلى بها المتعالج في سرده لقصته، تبدأ رحلته مع فك رموز وألغاز ما وراء هذه العناصر.

ينظر العديد من المحللين النفسيبن، وخاصة ممن ينتمون لمدرسة جاك لاكان الفرنسية، على أن العقد النفسية هي عبارة عن عقد لغوية متشابكة، تخفي خلفها خطابات ما قادمة من مناطق ايديولوجية مختلفة، تتضمن العقائد وأسلوب التربية ونماذج السلوك..الخ، وفك تشابك هذه العقد، وتحليلها والكشف عن ألغازها هو كل ما يقوم به المعالج، وكل ما يجب أن يدركه المتعالج، ومن مهمة المعالج مساعدة المتعالج على فهمها وتفكيكها بنفسه، ومن ثمة إعادة ترتيبها.

يُسمي بعضهم نظرية الجبل الجليدي ب” نظرية الإسقاط”، وهنا الإسقاط ما يعنيه هو إهمال عناصر معينة من القصة، وإسقاطها من سياق السرد، وتلك العناصر هي ما يمنح القصة جاذبية وغموض ما، ويستدعي القارىء نحو محاولة فهم أكبر، ويقول “همنغواي”: (عليّ أن أجد أشياءً قليلة حتى أكون أميناً، فإذا أهملت أشياءً أو أحداثاً هامة أنت تدركها فإن القصة ستقوى، لكن إذا أهملت شيئاً ما أو تخطيته لأنك لا تعرفه، فإن قصتك ستصبح بلا قيمة، فاختبار أي قصة يكون من خلال جودة الأشياء التي تتجاهلها أنت لا المحررون).

يُمكن تلخيص نظرية “الجبل الجليدي” عند همنغواي، بكلماته التالية: ( إذا كان الكاتب يعرف ما يكفي مما يكتبه، فإن لديه القدرة على حذف الأشياء التي يعرفها هو والقارئ على حد سواء، إذا كان الكاتب يكتب ما يكفي حقا ، سيكون هناك شعور بتلك الأشياء وبقوة كما لو أن الكاتب قد ذكرها، إنها مثل حركة الجبل الجليدي، حركتها ترجع إلى أن ثُمن – 1\8- حجمها فوق الماء. والكاتب الذي يغفل الأمور لأنه لا يعرفها سوف يترك حفراً وثقوب في كتاباته).

*(الشيء الأكثر أهمية لا يتم سرده أبدًا. وتُبنى القصة السرية مما لا يُقال، من الإيحاء المتضمن والإلماح).

بالطريقة ذاتها التي يتعاطى بها قارىء همنغواي كما افترض هو نفسه، يسرد المتعالج قصته، في حين يقوم المعالج  -المحلل النفسي – بالبحث عما تم إسقاطه وتجاهله سارد القصة، فبما تم إهماله في البوح تكمن الأهمية، ودور المعالج هو البحث عن تلك الأمور المهملة التي تم السكوت عنها أو إسكاتها، وإخفاءها في مخازن اللاشعور، ودفعها إلى السطح لتظهر بشكل جلي أمام المتعالج، ونقلها من مستوى اللاشعور إلى الشعور لدى المتعالج، والذي عليه فهمها وإعادة دمجها ضمن عناصر قصته، والتي هي بمعنى ما “حياته”.

وفقاً لنظرية “الجبل الجليدي”، تمت دراسة العديد من الآثار الرمزية للفن، فمن خلال إشارات وعلامات رمزية معينة، تمكّن التحليل النفسي فيما مضى من الوصول إلى خلفيات حياة فنان ما، والكشف عن عوالمه، ووجهات نظره، ورؤيته الوجودية، وهذا ما يفعله اليوم أيضاً علم النفس المعرفي والإدراكي، متكئاً على إرث التحليل النفسي مضاف إليه التطور الكبير في علوم الاتصال الحديث، والانفجار المعرفي الكبير الحاصل على مستوى العالم.

بالطريقة ذاتها، يُمكن للمعالج النفسي البارع والمتمكن من الدور المطلوب منه، وفق أدوات علمية مضبوطة، أن يقوم بمساعدة المتعالج على التخلص مما يعاني منه، فقط بمساعدته على فكفكة الرموز والإشارات المخفية في سرده لقصة حياته، وفي بوح المتعالج تكمن العملية برمتها، وبين الصمت والكلام تختفي العديد من الأمور، فنحن كما نصمت لألا نقول ونفصح، وقد نتكلم أيضا لألا نقول الحقيقة ولنغطيها بسيل من الكلمات، ومهمة المعالج البحث عن تلك الحقيقة وتوضيحها للمتعالج، ومساعدته على فهمها سواء خلال فترات صمته، أو عبر سيل كلامه، ومن ثم فهم أثرها في سياق حياته، وإعادة موضعتها بمكانها الحقيقي، بحيث لا تأخذ أكبر من حجمها.

  • يطول الشرح بهذا الموضوع، ويحتاج المزيد من التفسير، بحيث لا يتسع مقال صغير له، ويُمكن في سلسلة مقالات لاحقة توضيحه بشكل أكبر.

*مهم أن نميز هنا بين “الإسقاط” المشار إليه في نظرية الجبل الجليدي، وهو بمعنى الإهمال، أي إهمال عنصر ما أو حدث وإسقاطه من رواية القصة، وبين ” الإسقاط” Projection كمفهوم نفسي قادم من حقل التحليل النفسي، والذي يُعتبره أحد آليات الدفاع الأولية، وهو بما يعنيه: أحد الآليات اللاشعورية التي يقوم بها الإنسان بأن ينسب للآخرين بعض سماته الشخصية، وخاصة العيوب والنقائص والرغبات المحرّمة المكبوتة في لاشعوره، إذا يقوم بإلصاقها بالآخرين.

بقلم: د.خولة حسن الحديد

Leave A Comment

You May Also Like